محمد بن علي الشوكاني
5249
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
اشتهر من فعل ( 1 ) عبد الله بن جعفر الهاشمي ، وعبد الله بن الزبير وغيرهما . وانتشر ذلك في الصحابة في خلافة علي - عليه السلام - ومعاوية . ولم ينكر ذلك أحد ، ولو كان محرمًا لأنكروه على فاعله ، وهذا هو المذهب ( 2 ) السكوتي . وقد استكثر من الاحتجاج به أهل المذاهب ، وأيضًا البراءة الأصلية ( 3 ) ، وهي الحل وعدم التحريم مستصحبة لا ننتقل عنها إلا بدليل شرعي ؛ فمن ادعى أن السماع الذي تلتذ به الأسماع ، وتميل إليه الطباع محرم ، فعليه إقامة الدليل الذي تنحسم به مادة النزاع ، لا سيما كون ذلك جلب نفع خاص خال عن ضرر ، فإنه حسن عقلا . إذا تقرر هذا تبين للمصنف العارف بكيفية الاستدلال ، العالم بصفة المناظرة والجدال أن السماع بآلة وبغيرها من مواطن الخلاف بين أئمة العلم . ومن المسائل التي لا ينبغي التشديد في النكير على فاعلها ، وهذا الغرض هو الذي حملنا على جمع هذه الرسالة ؛ لأن في الناس من يوهم لقلة عرفانه بعلوم الاستدلال ، وتعطل جراية عن الدراية بالأقوال أن تحريم ( 4 ) الغناء بالآلة وغيرها من القطعيات المجمع على تحريمها .
--> ( 1 ) قاله ابن تيمية في " الاستقامة " ( 1 / 282 - 283 ) . وأما ما يذكر من فعل عبد الله بن جعفر في أنه كان له جارية يسمع غناءها في بيته فعبد الله بن جعفر ليس مما يصلح أن يعارض قوله في الدين - فضلاً عن فعله - لقول ابن مسعود وابن عمر ، وابن عباس وجابر وأمثالهم . ثم قال رحمه الله : الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره ، لم يكن يجتمع عنده على ذلك . ولا يسمعه إلا من مملوكته ، ولا يعده دينًا وطاعة ، بل هو عنده من الباطل . وهذا مثل ما يفعله بعض أهل السعة من استماع غناء جاريته في بيته ونحو ذلك ، فأين هذا من هذا ! هذا لو كان مما يصلح أن يحتج به ، فكيف وليس بحجة أصلاً . ( 2 ) أي الإجماع السكوتي . تقدم تعريفه . ( 3 ) تقدم توضيح معناها . ( 4 ) تقدم توضيح ذلك خلال الرد على ابن حزم ومقلديه .